محمد بن جرير الطبري

9

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

شهرين متتابعين إلا يومين ثم مرض الصوم ، قال : يتم ما بقي . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت إسماعيل عن الشعبي بنحوه . حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا : ثنا هشيم ، عن إسماعيل ، عن الشعبي في رجل عليه صيام شهرين متتابعين ، فصام فمرض فأفطر ، قال : يقضي ولا يستأنف . ذكر من قال : يستقبل من أفطر بعذر أو غير عذر : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم في رجل عليه صيام شهرين متتابعين فأفطر ، قال : يستأنف ، والمرأة إذا حاضت فأفطرت تقضي . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا مرض فأفطر استأنف ، يعني من كان عليه صوم شهرين متتابعين فمرض فأفطر . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، قال : الصوم يستأنف . وأولى القولين عندنا بالصواب قول من قال : يبني المفطر بعذر ، ويستقبل المفطر بغير عذر ، الصوم لإجماع الجميع على أن المرأة إذا حاضت في صومها الشهرين المتتابعين بعذر ، فمثله ، لأن إفطار الحائض بسبب حيضها بعذر كان من قبل الله ، فكل عذر كان من قبل الله فمثله . وقوله : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً يقول تعالى ذكره : فمن لم يستطع منهم الصيام فعليه إطعام ستين مسكينا . وقد بينا وجه الإطعام في الكفارات فيما مضى قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته . وقوله : ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يقول جل ثناؤه : الظهار هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم ما فرضت في حال القدرة على الرقبة ، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم ، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام ، وإنما فعلته كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، ويصدقوا بذلك ، ويعملوا به ، وينتهوا عن قول الزور والكذب . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وهذه الحدود التي حدها الله لكم ، والفروض التي بينها لكم حدود الله فلا تتعدوها أيها الناس . وَلِلْكافِرِينَ بها ، وهم جاحدو هذه الحدود وغيرها من فرائض الله أن تكون من عند الله عَذابٌ أَلِيمٌ يقول : عذاب مؤلم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ . . . عَذابٌ مُهِينٌ يقول تعالى ذكره : إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه ، فيجعلون حدودا غير حدوده ، وذلك هو المحادة لله ولرسوله ، وأما قتادة فإنه كان يقول في معنى ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يقول : يعادون الله ورسوله . وأما قوله : كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فإنه يعني : غيظوا وأحزنوا كما غيظ الذين من قبلهم من الأمم الذين حادوا الله ورسوله ، وخزوا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ خزوا كما خزي الذين من قبلهم . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : معنى كُبِتُوا أهلكوا . وقال آخر منهم : يقول : معناه غيظوا وأخزوا يوم الخندق كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد من قاتل الأنبياء من قبلهم . وقوله : وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يقول : وقد أنزلنا دلالات مفصلات ، وعلامات محكمات تدل على حقائق حدود الله . وقوله : وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يقول تعالى ذكره : ولجاحدي تلك الآيات البينات التي أنزلناها على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنكريها عذاب يوم القيامة مهين : يعني مذل في جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يقول تعالى ذكره : وللكافرين عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعا ، وذلك يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً من قبورهم لموقف القيامة فَيُنَبِّئُهُمْ الله بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يقول تعالى ذكره : أحصى الله ما عملوا ، فعده عليهم ، وأثبته وحفظه ، ونسيه عاملوه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يقول :